إلى أي حد تؤثر اللغة في عالم جورج؟

تاريخ التحديث: ٢٠ أكتوبر ٢٠٢١



تعدد الحضارات والشعوب في عالم الجليد والنار كبير، وفي هذا التعدد الكثير من اللغات، تتراوح في مدى انتشارها وأثرها، بعضها اندثر وبعضها تُسمى بمناطق من قوة سيادتها، كلغة الويستروسيين التي تسمى بـ"لغة ويستروس" أو "اللسان العام" رغم أن ويستروس سكنها أطفال الغابة والعمالقة بلغاتهم الخاصة، ثم أتى الرجال الأوائل واندثرت لغة أطفال الغابة وحلت محلها لغة الرجال الأوائل، وأتى الأنداليون وشبه اندثرت لغة الرجال الأوائل، إذ لا يتكلم بها الآن إلا الشعب الحر والعمالقة، وهكذا تبدلت لغة ويستروس حتى استقرت على ما هي عليه الآن، وسُمّيت باسم المنطقة.


لا يوجد صراع لغوي واضح في العالم، لكن من الأمثلة المثيرة للاهتمام- بالإضافة لما سبق- تحريم لغة أيتام الدم الأخضر في دورن، واستمرار تحدث أهلها بها فيما بينهم بالسر لتعلقهم بالروين وانتظار اليوم الذي يبحرون فيه للعودة لبلدهم، بعد أن بكوا عندما أحرقت نيميريا سفنهم، بل ورفضوا الانخراط مع الدورنيين والتزاوج معهم، وهذه الأَنَفَة هي ما علّقتهم بلغتهم وأصلهم. كذلك إمبراطورية ڤاليريا بسطت سلطتها بالدم والنار، وأدخلت اللسان الڤاليري على تابعيها، فجعلت الڤاليرية هي اللغة المشتركة بين المدن الحرة، وحتى الجيسكاريين نسوا لغتهم تدريجيًا وتعلموا الڤاليرية بدلًا منها، وكأن في هذا ارتقاء لهم! بل هي سلطة الثقافة الغالبة.


بعيدًا عن الصراعات، نرى مقتطف جميل في المسلسل في استخدام اللغة كتعبير عن الهوية والاعتزاز بها فيما حدث مع دنيريس عند إثبات هويتها الڤاليرية لكرازنس أحد أسياد أستاپور، وتحدثت بالڤاليرية لأول مرة له وقالت:

"إنني دنيريس وليدة العاصفة من آل تارجيريان ودماء ڤاليريا القديمة، ولغتي الأم هي الڤاليرية"

لكن حتى هذا الجانب من اللغة لم نراه كثيرًا في الرواية أو المسلسل، ومحصور في المثال السابق، إضافةً إلى تمييز الشخصيات للّكنات عند التحدث، فتُعرف هوية الشخص بلكنته، سواء المدن الحرة أو الڤاليرية أو الدوثراكية أو غيرها، كوصف بريان للكنة أحد الإخوة بلا رايات

"قال بلكنةٍ يكسوها صقيع الشَّمال"

وبالحديث عن اللكنات واللهجات، لنضيّق الزاوية أكثر على لغة ويستروس بالذات ونرى تعدد اللهجات بها، يقول جورج عن لكنات ويستروس:

"لويستروس لكنات إقليمية. تحايلت بفكرة شرحها عن طريق الأخطاء الهجائية، لكن هذا الأسلوب معقد. بدلًا من ذلك أحاول تمييز اللكنات ببناء الجمل المختلفة"

ليس هناك وضوح في تفوق لهجة على الأخرى، لكن هناك طبقية بين العامة والنبلاء، وانتقاء اللهجة المناسبة عند التحدث، كما قال رووس لثيون:

"قلت: "سيِّدي" فيما كان عليك أن تقول "سِيدِي". لسانك يشي بميلادك مع كلِّ كلمةٍ تقولها. إذا أردت أن تتكلَّم كفلَّاحٍ حقيقي فقُلها كأن في فمك طينًا أو كأنك أغبى من أن تنطقها نُطقًا صحيحًا"

وهذا يذكرني بالطبقية بين اللهجة البريطانية والأسكتلندية، إذ أن الحديث بالأسكتلندية يمثل الريف والفقر والطبقة "السفلى" بينما البريطانية صاحبة الشأن الأقوى واللهجة الأرقى للطبقة "العليا" فيُقال لمن يراد منه التغيير للبريطانية "قوّم لسانك" وكأنه عيب لابد من إصلاحه، ويحاجّونهم بأدهى من هذا إذ يقولون "من سيوفر لك وظيفة وأنت تتكلم بهذا الشكل؟" لكن الفرق أن في عالم جورج ليست اللهجة بذاتها المنتقاة، وإنما من يتحدث بها.



من الأفكار الجميلة باللغة، والمرتبطة بالمعرفة السياسية في الرواية؛ تقليب الأفعال بمسميات أخرى، لتخفيف الشنائع، وجحد الجرائم، وتطبيع الأفكار. على سبيل المثال، بدلًا من أن تقول اغتصاب، قُل "حق الليلة الأولى"، وبدلًا من أن تقول سرقة، قل "استحقاق" وبدلًا من "سفاح قربى" قل "تنقية دم"، وقس عليها الكثير من الأمور لتمرير المعتقدات تحت غطاءات ملمّعة، واللغة سلاح مهم لاختيار المصطلح المزيّف. غالبًا هذه التلاعبات تكون بيد أصحاب السلطة والقرار، ولها دور كبير في كتابة التاريخ وتزييفه، وترسيخ معتقدات المنتصر بالأجيال القادمة، كما ذكر يوستاس أوزجري في خطابه:

""الخيانة" مجرد كلمة. حينما يتقاتل أميران على عرش لا يسع إلا شخصًا واحدًا فقط، فعلى اللوردات العظام والشعب أن يختاروا. وحين تنتهي المعركة، سيُحتفى بالمنتصرين بصفتهم الأوفياء والمخلصين، بينما سيُعرف المنهزمون بالمتمردين والخونة إلى الأبد"

نلاحظ هذا الأسلوب مُستخدم عند سادة لعبة العروش، أولهم تايون عندما تحايل بشأن الزفاف الأحمر وكرِهَ مسمّى (مؤامرة)، قال تيرين:

"منذ متى وأنت تطبخ هذه المؤامرة مع والدر فراي؟"

قال تايون:

"لا أحبُّ هذه الكلمة" ومن ثم قال "الدَّم على يد والدر فراي لا يدي"

أحد خطوات إبعاد التهمة عنه؛ عدم استخدام كلمة (مؤامرة)، وكأن اختلاف المسمى سيغسل العار منه. قد تصل المسألة لمستوى أبعد مع پيتر بيلش، إذ يستخدمها لتحريك قطعه والتلاعب بهم، فبدلًا من أن يشتري اللوردات بالذهب، يشتريهم بالقلاع والأراضي، فقط غيّر المفهوم وجعلها صورة "أنبل" من صورة المرتزق الذي يتبع الذهب، وقد وضحها لڤاريس عند نقاشهم عن التحالف مع آل تايريل:

"طقطقَ ڤارس بلسانه، وقال: "عزيزي پيتر، مؤكَّد أنك لا تقترح أن هؤلاء اللوردات الأبيِّين والفُرسان النُّبلاء يُمكن شراؤهم كالدَّجاج في الأسواق" "رَدَّ الإصبع الصَّغير: «هل زُرت أسواقنا مؤخَّرًا يا لورد ڤارس؟ ستجد أن شراء اللورد أسهل من شراء الدَّجاجة، لكن قوقأة اللوردات فيها كبرياء أكثر من الدَّجاج بالطَّبع، لأنهم يَشعُرون بالإهانة إذا عرضت عليهم المال كأنك تاجر، بينما نادرًا ما يعترضون على تلقِّي الهدايا... الألقاب والأراضي والقلاع..."

وطبقها في الوادي عندما اشترى نستور رويس بإعطاءه بوابات القمر، ولم يشتريه بالذهب

"صخرتنا من آل رويس، أي أنه شديد الاعتداد بالنَّفس وسريع الغضب. لو كنتُ سألته عن سِعره لانتفخَ كضفدعٍ غاضب لإهانتي شَرفه، أمَّا بهذه الطَّريقة... الرَّجل ليس غبيًّا تمامًا، لكن الأكاذيب التي قدَّمتها له أحلى من الحقيقة"

شراء اللوردات والمارقين لا يختلف عن شراء المرتزقة، لكن الفارق العملة فقط، بدلًا من الشراء قل "مكافأة وفاء"، وبدلًا من الاستئجار قل "وعود وسخاء".


لغة الخطاب حاضرة وبقوة في الرواية، ولعل أفضل مثال خطاب يورون القوي الذي انتصر به في انتخاب الملك. أو كسْب مانس رايدر بلسانه المعسول عدة قبائل

"قضى مانس سنينًا يحشد هذا الجيش العظيم الذي يمضي متهاديًا، يتكلَّم مع أمَّهات القبائل وزعمائها، ويضمُّ قريةً بالكلمات المعسولة وأخرى بالغناء..."

ختامًا، أرى اللغة في عالم جورج واسعة من حيث التنوع الحضاري، ورغم وجود مقتطفات حول الصراعات اللغوية، وخدعها، وعدة مفاهيم حولها؛ إلا أنها ليست ركن أساسي بالرواية كالسياسة، والدين، والشخصيات، وغيرها. وبما أنه عالم خيالي، فأرى أن هذا القدر من التأثير اللغوي كافي