الرجال المكسورون

تاريخ التحديث: ١٢ مارس ٢٠٢١

الخارجون عن القانون أنواعهم كثيرة كثرة أنواع الطيور. زمار الرمال ونورس البحر كلاهما له جناحان، لكنهما مختلفان. يحب المطربون الغناء عن الرجال الصالحين الذين أُرغِموا على الخروج عن القانون لقتال أحد اللوردات الأشرار، لكن معظم الخارجين عن القانون أقرب إلى كلب الصيد المفترس هذا من سيد البرق.

إنهم سفلة يُحركهم الجشع ويُلوثهم الحقد، يستخفون بالآلهة ولا يكرثون إلا لأنفسهم. أما الرجال المكسورون فيستحقون شفقتنا أكثر، ولو أنهم لا يقلون خطرًا. كلهم تقريبًا أولاد عوام، قوم بُسطاء لم يبتعدوا أكثر ميلٍ واحد عن البيت الذي وُلدِوا فيه، إلى أن يحين يوم ويأتي أحد اللوردات ليأخًذهم إلى الحرب. بأحذيٍة بالية وثيابٍ مهترئة يسيرون تحت راياته، وفي أغلب الأحيان لا يكون سلاحهم أفضل من منجل أو معزقٍ مسنون، أو مطرقةٍ صنعوها بأنفسهم بربط حجرٍ على عصا بشريطٍ من الجِلد. يسير الإخوة مع إخوتهم والأبناء مع آبائهم والأصدقاء مع أصدقائهم.

لقد سمعوا الأغاني والقِصص، فيذهبون بقلوبٍ متشوقة حالمين بالأعاجيب التي سيرونها وبما سيكسبون من ذهبٍ ومجد. تبدو لهم الحرب مغامَرةً رائعةً، أعظَم ما سيشهده أكثرهم في حياته... ثم يذوقون طعم المعركة. بالنسبة إلى بعضهم يكفي هذا المذاق الواحد لكسرهم، في حين يستمرُّ آخَرون سنواتٍ إلى أن يعجزوا عن إحصاء المعارك التي قاتَلوا فيها، لكن حتى الرجل الذي نجا من مئة قتالٍ يُمكن أن ينكسر في القتال الواحد بَعد المئة.

يُشاهِد الإخوة إخوتهم يموتون، ويفقد الآباء أبناءهم، ويرى الأصدقاء أصدقائهم يُحاوِلون إعادة أحشائهم إلى بطونهم التي بقرَتها فأس، يرون اللورد الذي قادَهم يُقتَل، وسمعون غيره يصيح أنهم رجاله الآن. يُصابون بجرح، وقبل أن يندمل يُصابون بآخَر،

وليس هناك طعام كافٍ أبدًا، وأحذيتهم تتفسخ من طول السير، وثيابهم ممزقة تتعفن، ونِصفهم يتبرز في سراويله من جراء شُرب المياه الفاسدة. إذا أرادوا حذاءً جديدًا أو معطفًا أثقل أو ربما خوذةً قصيرةً صدئةً فعليهم أن يخلعوها من جثة، ولا يمضي وقت طويل قبل أن يبدأوا في سرقة الأحياء أيضًا، فيسرقون من الأهالي الذين يُقاتِلون في أراضيهم، من أناسٍ يُشبِهون كثيرًا مَن كانوا، يذبحون خرافهم ويسطون على دجاجهم، ومن هنا تفصلهم خُطوة قصيرة فقط عن اختطاف بناتهم أيضًا.

ثم يتطلعون حولهم في يوم من الأيام ليُدرِكوا أن أهلهم وأصدقاءهم جميعًا لم يعودوا هناك، أنهم يُقاتِلون إلى جوار غُرباءٍ تحت رايةٍ يتعرفونها بالكاد. لا يعرفون أين هُم الآن ولا كيف يرجعون إلى ديارهم، واللورد الذي يُقاتِلون من أجله يجهل أسماءهم، لكن ها هو ذا يزعق فيهم أن يتخذوا تشكيلهم ويُكونوا صفًّا من الحراب والمناجل والمعازق المسنونة، أن يثبتوا...

ثم ينقضُّ عليهم الفُرسان، رجال بلا وجوهٍ مدرعون بالفولاذ، ويملأ هدير هجمتهم الحديدية العالم... وعندئذٍ ينكسر الرجل، يستدير ويَهرُب أو يزحف مبتعدًا بَعدها فوق جُثث القتلى، أو ينسل تحت جُنح الظلام ويجد مكانًا يختبي فيه. ما عادَ في عقله خاطِر عن الوطن، والملوك واللوردات والآلهة لا قيمة لهم عنده تزيد على قيمة فخذٍ من اللحم أقرب إلى حيوانٍ من إنسان.

الليدي بريان ليست مخطئةً. في أوقاتٍ كهذه يجب أن يحذر المُسافرون الرجال المكسورين ويخافوهم... لكن يجب أن يُشفِقوا عليهم أيضًا


- وليمة الغربان (بريان 5)



أحدث منشورات

عرض الكل