الملوك بين الخوف والحب



في غُرفةٍ يجلس ثلاثة رجالٍ عُظماء، ملك وراهب وثريٌّ معه ذَهبه، وبينهم يقف مرتزِق، رجل تقليدي بلا حسبٍ أو نسبٍ أو ذكاءٍ خاص، وكلٌّ من الثَّلاثة العُظماء يَطلُب منه أن يَقتُل الاثنين الآخَريْن. يقول الملك: افعلها، فأنا مليكك بالشَّرع والقانون، ويقول الرَّاهب: آمرك أن تفعلها باسم الآلهة، ويقول الثَّري: افعلها، ولك كلُّ ما معي من ذَهب. قُل لي إذن، من يعيش ومن يموت؟

طرح ڤاريس موضوع مثير للاهتمام عن كيفية تغيّر السلطة وتشكّلها حسب المؤمن بها، فبناءً على أحجيته التي قالها فإن صاحب السيف سيخضع لاعتقاده وأولوياته وليس للأشخاص بذاتهم، كما أجاب ڤارس:

السُّلطة تَكمُن حيثما آمنَ النَّاس بوجودها، لا أكثر ولا أقل

إذن صاحب السيف سيطيع الملك إن كان مقدّسًا لقسمه لملكه، وسيتبع الراهب إن كان تقيًّا والدين أولويته، وسيتبع التاجر إن كانت مصلحته الشخصية تهمه أكثر من أي شيء آخر، لكن هذا ليس الموضوع، صحيح أن السلطة تتأثر بشكل كبير بمعتقدات التابع، لكن لو نظرنا من جهة أخرى فالمتبوع بالطبع له أثر بإحكام سلطته، فالتاجر لن يُطاع بثمنٍ بخسٍ يقدمه، وكلما زاد ثراءه زادت نفوذه وسلطته، وكذلك هو الحال مع الراهب، فراهب في إحدى قرى أراضي النهر لن يكون له تابعين مخلصين كالسپتون الأعلى في سپت بيلور. لكن ماذا عن الملك/اللورد؟ ما الصفة التي من أجلها تزيد ولاء التابع؟ هل السخاء يكفي؟ أم يجب إظهار بعض الرهبة والخوف في أتباعك؟ أم الحب فوق كل اعتبار؟ يقول نيد ستارك:

يُمكن للورد أن يحبَّ الرِّجال الذين يقودهم، لكن لا يُمكنه أن يكون صديقهم، فقد يأتي يوم ويضطرُّ إلى إصدار الحُكم عليهم أو إرسالهم إلى نحبهم

ويقول أيضًا:

‏على اللورد أن يأكل مع رجاله إن كان يرغب في الاحتفاظ بهم. اعرف الرِّجال الذين يتبعونك ودعهم يعرفونك. لا تَطلُب من رجالك أن يبذلوا حياتهم من أجل غريب

إيدارد هنا لخّص موضوع التبعية بمفهومين، وصفتين، من وجهة نظري هاتين الصفتين أو السببين إن صح التعبير، لا يخلو ملك/قائد من إحداهما أو كلاهما، بل يحتاج أن يجمع بينهما لتحقيق القيادة المثلى، وهي الموازنة بين الحب والخوف، وغالبًا كل تابع لا يتبع ملك إلا لأحد هذين السببين -وهنا أتحدث عن حملة الرايات بعيدًا عن المرتزقة أو المحاربين غير النظاميين الطامعين للأمجاد- مثلما ذكرت أن التابع له أثر بتحقيق التبعية حسب اعتقاده ومبادئه، وطبيعي إذا كان رجل محافظ على قسمه سيتبع ملكه بغض النظر عن حبه له أو كرهه، ومعتقدات التابع لا تتأثر من المتبوع غالبًا، لذلك ذكرت الحب والخوف لأن المتبوع يستطيع التحكم بها حسب قراراته وحكمه وسياسته ويؤثر بها على التابع. الحب والخوف قد يجتمعان، فلا يوجد تعارض بينهما، لكن ما إن تزيد صفة عن الحد الطبيعي فالصفة الأخرى تنقص عن الحد المطلوب، وكلما زاد الحب قلّ الخوف والعكس صحيح، وقلّ من الملوك من يجمع الصفتين بموازنة.


لو نظرنا في حقبة حرب الملوك الخمسة، بدايةً بالملك الشرعي ستانيس، قد يكون أقل ملك يملك سبب الحب بأتباعه، والسبب الرئيسي في اتّباعه هو الخوف باعترافه بنفسه

النَّاس لا يُحِبُّوني كما أحبُّوا أخي، ويتبعوني لأنهم يخافوني

لكن للتوضيح هنا قبل أن نذهب لبقية الملوك، خوف الناس من ستانيس وكرههم له، جزء منه بيده، وجزء لا يعلم سببه ويبدو أنه خارج سيطرته، فالجزء الذي بيده هو اتباعه للديانة الغريبة بطقوسها المنفّرة، وحرقه للآلهة القديمة والجديدة، وما تبعه من أمور تغيرت في شخصيته بعد اعتناقه لديانة راهلور. أما بالنسبة للأمور التي ليست بيده، فهي قديمة، قبل اعتناقه، وقبل ملكه، لم يملك ستانيس الحب الذي يستحقه، سواء من أفراد عائلته، أو من رعاياه، فيقول الملك:

إنهم يُحِبُّون أخي الصَّغير ذا الطِّباع السَّاحرة كما أحبُّوا روبرت من قبل، وكما لم يُحِبُّوني قَطُّ

وهو بنفسه يتساءل، كأنه مستغرب من الإجحاف الذي يلقاه، فيقول:

يبول روبرت في الكوب فيقولون إنه خمر، ولمَّا أقدِّمُ لهم أنا ماءً زُلالًا يُقَطِّبون بريبةٍ ويُتَمتِمون فيما بينهم عن مذاقه الغريب

الكره والخوف هو الحال مع جوفري/تايون (قيادة آل لانستر في الحرب) لكن بدرجة أقل من ستانيس بسبب سياسة تايون مع أتباعه:

چوفري، عندما يتحدَّاك أعداؤك فيجب أن تُواجِههم بالفولاذ والنَّار، لكن عندما يركعون فعليك أن تُساعِدهم على النُّهوض ثانيةً

واستطاع أن ينتزع لوردات العاصفة من قبضة ستانيس وضمهم للتاج بعد انتصاره بالنهر الأسود، لكن جوفري أخلّ بالكفة وطغى سبب الخوف عندهم أكثر من الحب حتى من العامة:

إن كينجز لاندنج تُكِنُّ حبًّا قليلًا لآل لانستر، فكثيرون ما زالوا يَذكُرون كيف نهبَ السيِّد والدك المدينة حين فتحَ له إيرس البوَّابات، والنَّاس يتهامَسون أن الآلهة تُعاقِبنا على خطايا عائلتك، على قتل أخيك الملك إيرس، على مجزرة طفليِّ ريجار، على إعدام إدارد ستارك ووحشيَّة عدالة چوفري - چاسلين بايووتر

بلغ الكره حد الانقلاب والثورة، ولولا تدارك ڤاريس لفُتحت الأبواب لستانيس

المسألة لا تحتمل المزاح حقًّا، فرجال القرون هؤلاء سلَّحوا عدَّة مئاتٍ من أتباعهم للاستيلاء على البوَّابة القديمة بمجرَّد احتدام المعركة، وفتحها كي يَدخُل العدوُّ المدينة - تيرين

وجود تيرين زاد من كره العامة لآل لانستر كذلك، إذ قال له بايووتر:

جلالته مجرَّد صبي. يُقال في الشَّوارع إنه محاط بمستشارين أشرار. الملكة لم تكن صديقةً للعامَّة قَطُّ، وڤارس لم يُلَقَّب بالعنكبوت بدافع الحُب... لكنك أنت أكثر من يلومون، فأختك والخصيُّ كانا هنا عندما كانت الأوضاع أفضل تحت حُكم الملك روبرت، أمَّا أنت فلم تكن. يقولون إنك ملأت المدينة بالمرتزِقة السكِّيرين والمتوحِّشين الأقذار، المتنمِّرين الذين يستحوذون على ما يُريدون ولا يتبعون قوانينًا سوى قوانينهم. يقولون إنك نفيت چانوس سلينت لأنك وجدته صادقًا صريحًا أكثر من اللَّازم، وإنك ألقيت پايسل الحكيم المعطاف في زنزانةٍ عندما جرؤَ على رفع صوته ضدك، بل ويدَّعي البعض أنك تنوي الاستيلاء على العرش الحديدي لنفسك

الأمر لا يقتصر على العامة بل حتى اللوردات (وهم لبّ الموضوع) وإلّا لمَ يغتال أقرب حلفاء لآل لانستر مليكهم؟

لم تعتقدِ أني سأدعكِ تتزوجين ذلك الوحش، أليس كذلك؟ - أولينا تايريل لمارجري عن جوفري (المسلسل)

الحديديون ليسوا بأفضل من جوفري وستانيس، فبالون لم يكن محبوبًا

لم يحبّه أحد - يورون عن بالون (المسلسل)

وثقافة الحديديين أساسًا لا وجود للحب فيها، وولاؤهم قائم على ما يخدم مصالحهم، وأمجادهم. ولنا في انتخاب الملك خير مثال. لم يتبعوا آشا التي تبحث عن السلام، ولم يتبعوا فيكتاريون لأن أطماحه لهم لا ترتقي لما يخطط له عين الغراب، فسلب يورون عقولهم بخططه، وسحرهم ببديع بيانه، ووعدهم بما لم يحلموا به، فاتبعوه متناسين نفيه، وكفره، وجنونه!


يتبقى لدينا رنلي وروب، رنلي لم يستمر طويلًا وبالتأكيد كان محبوبًا وملهمًا للإخلاص كما كان أخيه روبرت

كان رنلي يُشبِه أخاه روبرت، وفي الآن نفسه على النَّقيض تمامًا من ستانيس - كرسن

لكن هل طغى حبه على الخوف منه؟ لم يُختبر اختبار حقيقي، لكن رنلي لم يُظهر أمور تزيد من الخوف منه، ولم تظهر بوادر الخوف منه من أتباعه، فبالنهاية كلهم طامعين ومحبين للأمجاد يتبعون صبيًا محبوبًا. وللإثبات أكثر شرح دونال نوي الكثير من الفروقات بين إخوة الباراثيون بترميز رائع:

روبرت كان الفولاذ الحقيقي، وستانيس حديد خالص، أسود وصُلب وقوي، نعم، لكنه هَشٌّ كما الحديد، سينكسر قبل أن ينحني. أمَّا رنلي فهو النُّحاس، لامع ومزخرف ويحلو التطلُّع إليه، لكن لا يُساوي الكثير في النِّهاية

هذي الأوصاف تبيّن المعدن الحقيقي لكلٍ منهم، روبرت هو القائد الأمثل، المخيف والمحبوب، الذي يهزم أعداءه ثم يكسبهم، فهذي الصفات هي التي تمثّل معدنه، وهو فعلًا الفولاذ الحقيقي. أما الملك ستانيس، فكما ذكرنا أسباب كرهه، مثله كمثل الحديد القوي والهش، يحكم بالخوف، ولا يحبونه، وسينكسر إن لم يخيف أتباعه. نعود لرنلي الآن، هو كالنحاس، لامع وتُعجب به، لكن لا يملك سبب يخيفك منه، ولو ملكه، فهو لا يساوي شيء في النهاية كالنحاس تمامًا. هذي الترميزات لمعادن الإخوة كأنها ترمز أن روبرت جمع بين صفات ستانيس ورنلي، فهو الفولاذ الحقيقي (محبوب ومُهاب) الذي جمع بين قوة الحديد (مُهاب) وجمال النحاس (محبوب).