الهوية المزدوجة (١): ثيون/ريك



المقدمة:

يُعرف مفهوم التفكير المزدوج بحمل فكرتين متضادتين في الآن نفسه، وهو مصطلح ظهر في مطلع الثمانينيات من جورج أوريل في روايته الشهيرة ١٩٨٤، وقد حولته إلى مفهوم الهوية المزدوجة، لإسقاطه على عالم الرواية، بحيث يحمل الشخص هويتين متضاربتين في نفس الوقت، والصراع بينهما ليس اعتيادي كصراع الأفكار الشائعة، بل هذا يعني وجود هويتين كلتاهما حقيقيتين بالنسبة للشخص، ويا له من صراع! في هذه السلسلة سأعرض ثلاث شخصيات من وجهة نظري تندرج تحت هذا النوع من الازدواجية، بدايةً مع ثيون/ريك، ومن ثم آريا/لا أحد، نهايةً عند جون سنو/ستارك. استثنيت من القائمة هويات مزيفة كجوفري باراثيون/لانستر، وجين پوول/آريا المزيفة، لأن لا يوجد صراع بهوياتهم، أو سانزا/ايليني لأنها فترة مؤقتة صقلت شخصية سانزا الماكرة ولم تخلق هوية جديدة بنفسها.



الرهينة:

ثيون جرايجوي، وريث آل جرايجوي، ورهينة آل ستارك، ابن بالون، وربيب إيدارد. مُظهِر للضحك والدعابات، ومُبطِن للشكوك والصراعات. متى بدأ صراع هويتي ثيون المتضاربتين؟ منذ خيانته لروب؟ أم عند استهزاء الحديديين منه؟ أم قبل كل تلك الأحداث؟ منذ اليوم الذي أخذوه من پايك وبدأت هوية ثيون الأخرى بالنمو بينما خبت هويته الحقيقية، حتى تساوت الكفتان تقريبًا، إذ عاش ١٠ سنين بين أهله ومثلها عند آسريه/ربيبيه

عشرة أعوام تقول، أي أن ستارك حظيَ بك مدَّةً مماثلةً لي - بالون جرايجوي

وصل الصراع لذروته عندما أبحر لپايك بأحلام الشاب الوردية، وطموحه الخيالي، وأهدافه الوهمية. أراد الجمع بين هويتيه عن طريق إثبات نفسه كحديدي في إسقاط لانسبورت وتصديق تحالفه مع روب بإتمام خطته

إنها خطَّتي. سأقودُ الهجوم بنفسي إذا أذنت لي، وكمكافأةٍ أطلبُ منك أن تمنحني كاسترلي روك لتكون مقرِّي الخاص، بَعد أن نأخذها من آل لانستر

لكن استُقبل بالجحد والضحك، والسخرية والتهكم، والاستهزاء بهويته الذئبية

انتظرتُ نِصف حياتي أن أعود إلى الوطن، فمن أجل ماذا؟ السُّخرية والاستخفاف؟

فبلغ غضبه لأقصى حد، وألقي اللوم عليه بذنوب لم يقترفها، وأصبح رمزًا لخسارة بالون، وكأنه هو من تسبب بأسره عند آل ستارك وليس فشل ثورة أبيه! الغضب يجعل الرجال حمقى كما قال الملك، ولذلك أنعش غضبه هويته الأصلية، ومرَق. حتى "خيانته" يبدو ألّا مفر منها من وجهة نظره، إذا أراد تقديم هوية على الأخرى فسيخون إحداهما، فإما الغدر بثقة روب، أو التملّص من أهله ودمه. استمرت هويته الذئبية بمطاردته بعد مروقه لتعيده، وتؤنبه، وتذكره بِعظم جريمته!

فكَّر ثيون في تفتيش جثَّتي الرَّجلين اللَّذين قتلَهما بنفسه بحثًا عن أيِّ جواهر تستحقُّ أن يأخذها، لكن الفكرة تركَت مذاقًا مُرًّا في فمه، وتخيَّل ما كان إدارد ستارك ليقوله، لكن تلك الفكرة أصابَته بالغضب، فذكَّر نفسه: ستارك ماتَ ويتعفَّن، ولا يعني لي شيئًا

فعليًا كان إيدارد ستارك مربيه الحقيقي، إذ عاش عنده بوعي أكثر من بالون، ولذلك تلاحقه عادات إيدارد إلى هويته الحقيقية

أوصى ثيون نفسه بأن يتحلَّى ببرود اللورد ستارك وتروِّيه

في وينترفيل هويتيه المتضاربتين ما زالتا ظاهرتين في حكمه وتعاملاته، فكان يستذكر تصرفات إيدارد

سأكونُ سيِّدًا صالحًا لكم كما كان إدارد ستارك

ويعدم بطريقته

كان فارلن مشتبهًا به محتملًا كغيره، فجلسَ ثيون قاضيًا وأعلنَ أنه مذنب وحكمَ عليه بالموت. حتى هذا كان تجربةً مريرةً، فإذ ركعَ قيِّم وجار الكلاب عند قالب الخشب، قال: «سيِّدي اللورد إدارد كان يَقتُل بيده دائمًا»، فكان على ثيون أن يضرب بالفأس بنفسه وإلَّا بدا ضعيفًا. وتطلَّب الأمر ثلاث ضرباتٍ. ند ستارك لم يكن يحتاج أكثر من ضربةٍ واحدةٍ لقطع رأس رجل

وبنفس الوقت يُعدم بالغرق لإرضاء الحديديين بدفع من هويته الحديدية

وبالنِّسبة لكايل فقد كان رجاله يتوقَّعون أن يمنح قُربانًا للإله الغريق، وقال للسِّپتون قبل أن يُلقوه في البئر: «لا أضمرُ لك شَرًّا، لكن لا مكان لك وآلهتك هنا الآن»

عندما هرب بران وريكون اتخذ الصراع منحنى آخر وتقمص ثيون هوية الوحش الوهمية مفضلًا إياها على هوية الأحمق

خيرٌ لي أن يخافني النَّاس من أن يسخروا مني

عندها توغل بالوحل عميقًا بلا رجوع وهو يسائل نفسه مذهولًا من تصرفاته

يتذكَّر أنه تساءلَ في أعماقه وقد وقفَ أمام الجثَّتين والذُّباب حولهما: كيف وصلتُ إلى هذا؟

بالرغم من إثبات هويته الحديدية بأخذ وينترفيل، وهروبه من الانتماء لآل ستارك وجحده لهم قدر الإمكان، إلا أن ما زال ضمير الهوية الذئبية حاضر إذ داهمته الكوابيس لتقض مضجعه

كلُّ أحلامه في الآونة الأخيرة باردة، وكلٌّ منها أبشع من سابِقه

ومن الأيقونية أنه في هروبه من آل ستارك عاد لهم، وفي اعتقاده بإثبات ميلاده الحديدي ابتعد عنهم

«الكراكن يَخرُج من البحر يا ثيون، أم أن سنين المعيشة وسط الذِّئاب أنسَتك هذا؟ قوَّتنا تَكمُن في سُفننا الطَّويلة»

فاختلط الحابل بالنابل، ولم يعد ثيون يعرف أين موقعه الحقيقي

شجرة ند ستارك، وأيكة ستارك، وقاعة ستارك، وسيف ستارك، وآلهة ستارك. هذا مكانهم لا مكاني. إنني من آل جرايچوي أبناء پايك، وُلِدتُ لأرسم الكراكن على تُرسي وأمخر عباب البحر المالح العظيم. كان عليَّ أن أذهب مع آشا

هوية الوحش الوهمية تبعتها معتقدات وهمية لم تكن في بال ثيون، فعندما سأله رودريك عن سبب خيانته أجاب ثيون

«لم تكن الأُنشوطة التي أحاطَت بعُنقي مصنوعةً من الحبال، هذا صحيح، لكني شعرتُ بها رغم ذلك، ولقد سحجَتني يا سير رودريك، سحجَتني حتى النُّخاع»

وقال في قرارة نفسه:

لم يكن قد أدركَ هذا تمامًا حتى هذه اللَّحظة لكن حين انسكبَت الكلمات من فمه تبيَّن حقيقتها من فوره

وكل هذه الأوهام التي ضاع ثيون وسطها ما هي إلا قطرة من الوهم الأكبر، والهوية التي كسرته، وهي لب الموضوع.


الانكسار:

وُلد ريك من أعماق الظلام، وبين السلخ والضرب، وفي معقل الخوف. يلازمه الرعب والتوجس من سيده رامزي إلى حد الوسوسة والجنون

ماذا لو أني فقدتُ عقلي في السِّجن وضاعَ نِصف عُمري؟ لكن لا، هذا سُخف. لا يُمكن أن مُدَّةً كتلك مرَّت، فما زالَ الصَّبيَّان صبيَّين، ولو كانت أعوام عشرة قد مرَّت لصارا رجلين بالغين. عليه أن يتذكَّر هذا. يجب ألَّا أسمح له بدفعي إلى الجنون. يُمكنه أن يأخذ أصابع يدَي وقدمَي، يُمكنه أن يفقأ عينَي ويَبتُر أُذنَي، ولكن لا يُمكنه أن يسلبني عقلي ما لم أسمح له

انسلخت هويته السابقة تمامًا، وانسلخ هو فعليًا، ولم يعد الشخص الذي كانه، حتى اسمه اختلف، ورُوّض على معرفة اسمه "الحقيقي"

اسمي. احتبسَت في حَلقه صرخة. لقد علَّموه اسمه، علَّموه إياه، علَّموه إياه، نعم

وقد أقنع نفسه بهويته الوهمية الجديدة، بعد آثار التعذيب والأهوال التي رآها، واعتبر حياته الآن منفصلة عن حياته السابقة

لم يُولَد بهذا الاسم، بل كان أحدًا آخَر في حياةٍ أخرى، لكن هنا والآن اسمه ريك. لقد تذكَّر

بعد أكثر من سنة من إنشاء هذه الشخصية من رامزي، وتربية حيوانه الأليف ليحل محل صديقه القديم (ريك)، أتى ريك الجديد مطواعًا له، وخاضعًا لأدنى الدرجات، وكأنه حل مكان ريك القديم فعلًا، واستدعاه رامزي لمساعدته بالحرب، تمامًا كما كان يفعل مع ريك الذي سبقه.

بدأ ريك حربه كما بدأها شبحه ثيون، ومرت الذكريات أمامه ضبابية معتمة كالأجواء التي يمشي بها، وأكّد أن ريك منفصل تمامًا عن ثيون، فقد ذكر ثيون بضمير الغائب

عندما سلكَ ذلك الرَّجل الآخَر هذا الطَّريق كان وراءه جيش، جيش الشَّمال الجرَّار في طريقه إلى الحرب تحت رايات عائلة ستارك بلونيها الأبيض والرَّمادي، أمَّا ريك فراكب وحده رافعًا راية سلام

حتى أدنى الأمور وأدق التفاصيل ترعبه، وملتزم باستخدام ضمير الغائب للتحدث عن ثيون، وارتعب عندما زلّ لسانه

سلكتُ هذا الطَّريق من قبل. كان خاطرًا خطرًا، وقد ندمَ عليه في الحال، وقال: «لا، لا، كان ذلك رجلًا آخَر، كان ذلك قبل أن تعرف اسمك»

أول مهام ريك العودة للوراء، لكنها عودة مختلفة، ليست عودة حقيقية وإنما وهمية، تقمّص ريك نفسه القديمة، وشخصيته المنسلخة، رغم أن هذا التقمص يُصوّر للبعض أنه استعادة لهويته الضائعة، إلا أن ريك مؤمن أنه دور سيلعبه مؤقتًا ويعود كما كان، يعود ريك، ريك، على قافية ركيك

أجابَ ريك كاذبًا: «أنا حديدي الميلاد». الفتى الذي كانه حديديُّ الميلاد، هذا صحيح، لكن ريك خرجَ إلى هذا العالم في زنازين (معقل الخوف) «انظُر إلى وجهي. أنا ابن اللورد بالون، أميرك». كان ليقول الاسم، إلَّا أن الكلمة احتبسَت في حَلقه. ريك، أنا ريك، على وزن حريك. لكن عليه أن ينسى هذا لفترةٍ قصيرة. يجب أن يتظاهَر بأنه عادَ أميرًا