top of page

كاسر القلوب وصانع الملوك

تاريخ التحديث: ١٠ يونيو ٢٠٢٣





الحب موت الواجب



جوهر الشخصية:

المعاطف البيضاء التي ترفرف حول الملك لحمايته هي أعلى شرف يأمله الفارس، فإذا كانت أحلام فتيات ويستروس حول الفرسان الشجعان الذين ينقذونهم من الوحوش، فأحلام فرسان ويستروس حول تخليد اسمهم مئات السنين في الكتاب الأبيض.


هكذا بدأ كريستون كول مسيرته عندما شق طريقه بنجاح إلى أن وصل لهذه المرتبة، وصل لهذه النشوة، لذة الفخر والشرف، والإنجاز والتقدير، اللذة التي تخبو عندها جميع اللذائذ... إلا الحب، أبى إلا أن يكون له حضور. بدأ الحب يزاحم الشرف والواجب في قلب كريستون، وحاول منعه باستحياء وبضعف الرجل الطبيعي، لكن الحب كان ينافس في عقر داره، ألا وهو القلب! فخفت صوت ضميره وانكتم، واستثقل شرفه ونزعه، لذلك خبى واجب كريستون واختفى، ولم يعد يرى أمامه سوى رينيرا! بعد السكرة أتت الفكرة، وصحى كريستون من غفلته، واستوعب أنه ضحى بواجبه وشرفه من أجل الحب، لكنه كتم ضميره الذي صحى، وغض بصره واستمر، أراد المضي قدمًا، لكي لا يخسر الحب كما خسر الواجب، فبنى أحلامًا وردية، وخيالات غير منطقية، فكما هي عادة الحب، لا يؤدي إلا للجنون! لكنه صُدم بالرفض والتقليل، واستوعب أن تضحياته طارت هباءً منثورا، فانفجر ضميره المكتوم. تهاوى على نفسه، وانكمشت روحه، وتقطعت به السبل. تبدل الحب بالمقت، والرغبة بالنفور، لم يعد يرى الحب كاستعادة لشرفه وتعويضًا له، بل يراه عدو، يراه كسارق اختطف ما يمثله ويعتز به، ولهى به ولوثه، ثم أعاده إليه وقال: لن تنالني لكن لا بأس، تعايش مع الدنس! كريستون الذي كان يعتز بمعطفه، صحى الآن بعدما تحطمت أحلامه الوردية أمامه، ورأى ذاته فارغة لا يمثلها شيء، لا يعتز بالشرف، ولا ينعم بالحب، فهو لا ينتمي للفرسان البيض، الشيء الوحيد الذي يجعل من اسمه قيمة كما قال لرينيرا:

لقد نقضت قسم العفة، وهو الشيء الوحيد الذي يجعل من اسمي قيمة. اعتقدت أننا إذا تزوجنا أستطيع استعادته

وفي الوقت نفسه لم ينل الحب الوهمي الذي لاحقه، فظل ضائعًا في الوسط، ونهش ضميره قلبه حتى أدماه، ضاعت ذاته في الفضاء بلا أي شيء يمثلها، فعلم حينها أنه لن يستطيع العيش بلا هدف ولا مبدأ، وأن يصبح ألعوبة بيد غيره. لقد ضحى التضحية الخاطئة، وبنى الأحلام الكاذبة، والآن يذوق عواقب أفعاله، والشيء الوحيد الذي يعوض ما فعله الاعتراف والعقوبة، للتطهير والخلاص، ومحاولة استعادة ما بقي من شرفه. عقوبة بلا ذل أو إهانة، فقط موت سريع ينهي بها روحه الهائمة. لكن في أيكة الآلهة، وتحت ضوء القمر، لاح له بصيص نور، وكما ينير آل هايتاور الطريق، أنارت أليسنت طريق كريستون. سواءً أكان النور وهميًا أم حقيقيًا، فهو متلهف لأي ضوء خافت يقاتل لأجله، ويستعيد به ما خسره، وقد وجده. وهنا اختلافنا يا سادة، إذا كان النور وهميًا، فلم يزد كريستون إلا تشتتًا، وقد بنى له أوهام يقنع نفسه أن فيها استعادة لشرفه، كما بنى من قبل أوهام الحب! يبحث عن الخلاص فيتخبط، يحاول استعادة ما ضاع من ذاته فيضيع أكثر، يعتقد أن عداءه لحبه الوهمي يستعيد شرفه، لكنه يدنسه بلعبة العروش، وهو ما على الفرسان البيض اجتنابه! فاختلطت مشاعره وتشتت أهدافه. فكما يقول جورج عنه:

هل هو خائن؟ هل هو محب؟ هل هو مغوي؟ إنه كاسر القلوب وصانع الملوك

أما إن كان النور حقيقيًا، فهي رحلة إلى الخلاص عن طريق الدمار، ومحاولة غسل العار بأيدي متسخة، ووفاء لمن أضاء له النور وخدمة لعادات ويستروس المتجذرة بقوانينهم. وفي كلتا الحالتين لم يبقِ السير كريستون حيًا إلا استعادة ذاته التي خسرها، وشرفه المدنّس، وإلا لمات منذ سنين عدة، كما يقول جورج:

كل ما يملكه كريستون شرفه ومهارته بالقتال

لذلك الروايات التي ذُكرت في الكتاب غير منطقية لشخصيته ومصيره، فإن كانت رينيرا أغوته ورفض، فهذا لا يبرر عداءه الواضح لها، وكأنه نابع من حقد واستعادة مسلوب! أما إن كان هو من أغواها وهي رفضت، فهذا أيضًا لا يتماشى مع السير كريستون المتمسك بشرفه. لذلك الرواية الوسط هي المنطقية، وهي رواية المسلسل، إغواء رينيرا منطقي لأن لا يمكن لكريستون الإقدام على فعل كهذا، وبرروا عداوته لها بنجاح إغوائها، كونه كان تسلية مراهِقة، ولم يعلم كول أنه يضحي بشرفه للعب ولهو مؤقت، وأنه وقع ضحية فتاة تلهو بشرفه من دون تعويضه بالحب. وهنا استطاعوا سد الثغرة في هذه الرواية، فخلقوا أمثل صورة ممكن إخراجها لهذا الفارس المسكين.


لكن حتى بعد اتباع الضوء، ما يزال متوجسًا من الظلام، ونرى حرصه على الأقسام دقيق، فعند مشكلة أبناء أليسنت ورينيرا، صحح لفسيريس قسم الفرسان وقال أنه لا يمكن حماية الأمير من أمير آخر، وحتى أليسينت، منيرة الطريق له وحاملة المصباح، ارتاب من طلبها وحوصر بين قسمين، واجبه لها وواجبه لمليكه، فتوجس من الطلب وبحث عن مخرج، فكان الواجب والقسم هو المخرج الوحيد من الواجب والقسم! لذلك قال (أقسمت على حمايتك فقط) هروبه من رينيرا ليس عداء شخصي فقط، وإنما استعادة لشرفه بمحافظته على القسم مع ملكته الجديدة، لأنه لا يريد خسارته كالسابق، وكأن رينيرا أُستبدلت بأليسنت، وإنما بلا حب، بل بالعلاقة الأصيلة بين الفارس ومليكته، يمشي على خطاه السابقة ليتجنب أخطاءه! هذا جوهر كريستون الحقيقي!


عثرات المسلسل:

إن تحدثنا عن الرمادية التي صدعت رؤوسنا فهذا الجوهر الذي نريده، لكن المسلسل بعد القفزة الزمنية ترك فراغ كبير في شخصيته. أصبح بارد المشاعر، ولا يختطف مشاعر المشاهد، مهرج وكأنه كُتب للاستفزاز. لا يوجد حوار واحد فقط يضيف لتعقيده الذي بُني عليه! ليس هذا كول الذي تحدث عنه جورج، ولا هذا كول الذي بنيت شخصيته في النصف الأول من الموسم ببراعة. مع الأسف أخفق الكتّاب في إكماله، ولم يخلقوا الصورة المثالية التي تخلق الجدل بين المشاهدين، بل كان التوجه أشبه بإجبار المشاهد على النفور منه!


ماذا بعد هذا؟ صعدت شخصيته ونزلت، أبدع الكتّاب وأخفقوا، هل سيعوضون في قادم المواسم، ويظهرون الصراع النفسي الذي يقول عنه جورج بأنه جوهر الشخصيات؟ أم ينسونه ويتناسون؟ وماذا عن قصة كول؟ دعونا نرى وننتظر المواسم المقبلة، هل سيلقى الفارس المسكين خلاصه وتطمئن روحه بعد ضياعها؟ أم يظل في دائرة التشتت والتيهان إلى أن يلقى حتفه؟ أم يصر الكتّاب على تناسيه؟ أيًا كان مصيره، أتمنى فقط ألّا ينسوه!

أحدث منشورات

عرض الكل

Commentaires


bottom of page